تدين منصة المجتمع المدني النسوي في لبنان بشدّة وبأسف التصاعد غير المُدان لاستخدام بعض الرجال العاملين في الإعلام لمنابرهم ومساحاتهم الإعلامية لاستهداف النساء في الحياة العامة، عبر الإهانة والتجريح الشخصي والسخرية والتحقير والتشهير، دون أي مساءلة حول مواقفهن وأدائهن وأدوارهن في الحياة العامة.
إن النقد والمساءلة جزء أساسي من العمل الإعلامي ومن النقاش الديمقراطي. لكن ثمة فارقاً واضحاً بين النقد المهني وبين تحويل المنبر الإعلامي إلى مساحة لتصفية الحسابات الشخصية والسياسية، ولا سيما عندما تُستهدف النساء بلغة مهينة أو تحقيرية أو بمفردات تنزع عنهن الاحترام والشرعية والمكانة التي يستحققنها كمشاركات في المجال العام.
هذه ليست مسألة تتعلق بامرأة بعينها، ولا بموقفنا من خياراتها السياسية أو العامة. المسألة أوسع وأخطر. إنها تتعلق بتطبيع خطاب إعلامي يسمح لبعض الرجال بسوء استخدام ما يمتلكونه من سلطة وظهور ونفوذ لمهاجمة النساء وإذلالهن علناً، فيما يُقدَّم ذلك بوصفه رأياً أو جرأة إعلامية.
إن حضور النساء في السياسة والإعلام والأكاديميا والمجتمع المدني وفي مختلف مواقع القرار والعمل العام لا يجعل من كرامتهن مادة مباحة للإهانة. ويمكن، بل يجب، مساءلة النساء ونقد مواقفهن وأدائهن، تماماً كما تتم مساءلة الرجال، ولكن من دون اللجوء إلى العنف اللفظي أو التحقير أو التشهير أو استخدام المنبر الإعلامي لترهيبهن وإقصائهن من المجال العام.
كما نرى أن المسؤولية لا تقع فقط على من يمارس هذا النوع من الخطاب. تقع مسؤولية أيضاً على المؤسسات الإعلامية التي تتيحه وتطبّعه، وعلى الشخصيات العامة والسياسية والإعلامية التي تتعامل معه باعتباره جزءاً عادياً ومقبولاً من المشهد الإعلامي. فالظهور والمشاركة والصمت في مواجهة الإهانة العلنية للنساء يساهم، بقصد أو بغير قصد، في منح هذا السلوك شرعية واستمرارية.
ولا يمكن تجاهل صمت الجمهور الحاضر في الاستديو والمشاركين حين تقع الإهانة على الهواء. لا نحمّل الجمهور مسؤولية كلام المذيع، لكن غياب الاعتراض والتعامل مع الإهانة كأنها فقرة عادية يساهمان في تطبيعها. إن التعبير عن الرفض، ولو بكلمة، يساعد على تأكيد أن كرامة النساء ليست موضعاً للسخرية أو الترفيه.
نرفض أن تتحول نسب المشاهدة والانتشار إلى مبرر لانتهاك الكرامة الإنسانية أو لتطبيع العنف اللفظي والقائم على النوع الاجتماعي ضد النساء. كما نرفض اعتبار الإهانة أسلوباً إعلامياً، أو تقديم الاستقواء بالمنبر بوصفه شجاعة صحافية.
وندعو المؤسسات الأمنية والعدلية والإعلامية ونقابات العاملين والعاملات في الإعلام والصحافة والشخصيات العامة إلى تحمل مسؤولياتها في مواجهة هذه الممارسات، ووضع معايير واضحة تحمي النقاش العام من خطاب الإهانة والتحقير والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
الإعلام مساحة عامة ومسؤولية عامة.
والمنبر الإعلامي ليس ملكية شخصية.
وكرامة النساء ليست ثمناً مقبولاً للمشاهدة والانتشار.
