تابعت المنصة النسوية في لبنان القوانين التي أقرّها مجلس النواب في جلسته التشريعية في 11 و12 آب 2026، ولا سيما قانون إلغاء عقوبة الإعدام، وقانون منح العفو العام وتخفيض بعض العقوبات بصورة استثنائية، وقانون الإعلام.
وإذ تتفاوت هذه القوانين جذرياً في مضامينها وآثارها، ترى المنصة النسوية وهي إطار تنسيقي يضم منظمات ومبادرات ومؤسسات حقوقية ونسوية وإعلامية، أن تقييمها لا يمكن أن ينفصل عن سؤال أساسي، أي عدالة نريد في لبنان؟ ومن تحمي القوانين فعلياً، ومن يتحمل كلفة الخلل في تطبيقها؟
بالنسبة إلينا، المقاربة النسوية للعدالة لا تعني المطالبة بعقوبات أقسى لمجرد العقاب، كما لا تعني التساهل مع الجرائم تحت عناوين إنسانية أو سياسية. العدالة النسوية هي منظومة تحمي الحق في الحياة والكرامة، وتضمن المحاكمة العادلة، وتصون حقوق الضحايا والناجيات، وتحاسب مرتكبي الجرائم من دون تمييز أو حماية سياسية أو طبقية أو طائفية.
ومن هذا المنطلق، تعلن المنصة التالي:
أولاً: إلغاء عقوبة الإعدام خطوة حقوقية تاريخية يجب أن تستكمل بإصلاح منظومة العدالة
ترحب المنصة النسوية بإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، وترى فيه تقدماً حقوقياً مهماً وانسجاماً مع الحق في الحياة ومع المسار العالمي المتجه نحو إلغاء هذه العقوبة القاسية وغير القابلة للتراجع.
ولا ترى المنصة أي تناقض بين رفض عقوبة الإعدام وبين المطالبة بمحاسبة جدية وصارمة لمرتكبي جرائم قتل النساء والعنف ضدهن، فإلغاء الإعدام لا يعني إلغاء المحاسبة. فالخطر الذي تواجهه النساء في لبنان ليس ناتجاً عن غياب عقوبة الإعدام، بل عن منظومة لا تزال تعاني بطء المحاكمات، وضعف الحماية، والتفاوت في الوصول إلى القضاء، وإمكان تدخل النفوذ السياسي والاجتماعي والمالي في مسارات العدالة، إضافة إلى إرث طويل من التعامل المتساهل قانونيا واجتماعياً مع أشكال من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
ومن هنا، يجب أن يشكّل إلغاء الإعدام بداية لمسار إصلاحي يطبق محاكمات عادلة ضمن مهل معقولة، قضاء مستقل، حماية فعالة للناجيات والمبلّغات والشهود، ضمان حقوق عائلات الضحايا، وعدم التساهل مع جرائم قتل النساء أو استخدام الأعذار والظروف المخففة بصورة تمييزية تؤدي عملياً إلى التقليل من خطورة هذه الجرائم.
كما تدعو المنصة إلى توضيح الطبيعة القانونية للعقوبة البديلة المستحدثة بحسب القانون الجديد، أي عقوبة "الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة" التي لا يزال تعريفها فضفاضاً وغير واضح إذ يجب النظر فيها لضمان عدم استبدال عقوبة غير إنسانية بعقوبة أخرى غامضة أو مخالفة لمعايير الكرامة الإنسانية.
يرتبط ذلك حكماً بضرورة إصلاح السجون اللبنانية وأوضاع الاحتجاز، وتسريع المحاكمات، والحد من التوقيف الاحتياطي المفرط، واعتماد سياسات تأهيل وإعادة دمج تحترم حقوق السجينات والسجناء وكرامتهم.
إن دولةً تحترم الحياة لا تعدم، لكنها أيضاً لا تترك الضحايا من دون عدالة.
ثانياً: قانون العفو العام بصيغته الحالية يكرّس أزمة الإفلات من العقاب بدل معالجتها
المنصة النسوية ليست ضد مبدأ العفو بصورة مطلقة، فقد يكون العفو في ظروف محددة أداة لمعالجة مظالم واضحة، ولا سيما في حالات التوقيف المطوّل، أو في الجرائم البسيطة، أو عندما تصبح العقوبة غير متناسبة مع الفعل المرتكب. لكن العفو لا يمكن أن يكون بديلاً عن القضاء، ولا وسيلة لمعالجة انهيار السجون، ولا تسوية سياسية بين القوى والطوائف.
ولهذا، تعارض المنصة قانون العفو العام بصيغته التي أقرّها مجلس النواب، لما يتضمنه من معايير واستثناءات فضفاضة، ولأنه يعيد إنتاج واحدة من أخطر مشكلات النظام اللبناني ونعني تحويل المساءلة إلى استثناء، فيما يصبح الإفلات من العقاب هو القاعدة.
فبعد خمسة وثلاثين عاماً على العفو العام الذي أعقب الحرب الأهلية عام ١٩٩١ والذي كرّس منطق طيّ صفحة الانتهاكات من دون محاسبة، وأسهم في تثبيت ثقافة الإفلات من العقاب بدل بناء عدالة انتقالية تكشف الحقيقة وتنصف الضحايا. لا يحتاج لبنان إلى عفو جديد مبني على موازين القوى والمصالح الطائفية، بل إلى دولة قانون قادرة على إجراء محاكمات عادلة وفي آجال معقولة، وإلى قضاء مستقل وإصلاح جدي للسجون.
ومن الزاوية النسوية تحديداً، فإن سؤالنا ليس فقط من سيخرج من السجن؟ بل من سيدفع ثمن غياب المحاسبة؟
في المجتمعات التي تعاني أصلاً اختلالاً كبيراً في موازين القوة، تدفع النساء والفئات الأكثر هشاشة ثمناً مضاعفاً لضعف دولة القانون. فالنساء اللواتي يتعرضن للعنف يحتجن إلى مؤسسات تحميهن وتحقق في الانتهاكات وتحاسب مرتكبيها. وعندما تتكرس ثقافة التسويات والعفو وتخفيف العقوبات، تتراجع الثقة بإمكان الوصول إلى العدالة، ويُرسل إلى الضحايا والناجيات إشعار واضح بأن حقوقهن يمكن أن تصبح جزءاً من صفقة سياسية أوسع.
وتشدد المنصة على أن استثناء جرائم قتل النساء من العفو الذي أعلن عنه القانون هو أمر ضروري، لكنه لا يكفي إذا أتاحت أبواب أخرى في القانون تخفيض عقوبات مرتكبي هذه الجرائم أو الاستفادة من أحكام أخرى تؤدي عملياً إلى النتيجة نفسها. المطلوب هو ضمان ألا تتحول الصياغات الفضفاضة أو آليات خفض العقوبات إلى مدخل خلفي للإفلات من المحاسبة.
وفي المقابل، تكشف أوضاع السجينات عن وجه آخر للظلم يجب عدم تجاهله. فوجود نساء أنهين مدد محكوميتهن ولا يستطعن الخروج بسبب العجز عن دفع غرامات أو التزامات مالية يكشف عقاباً للفقر لا يمكن الدفاع عنه وهذه ظلامة لم يلحظها قانون العفو. معالجة هذه الحالات واجبة، لكن عبر إصلاحات عادلة ودائمة في نظام العقوبات والتنفيذ، لا عبر قانون عفو واسع يخضع لتسويات سياسية وطائفية.
فالفئات التي تملك دعماً سياسياً أو طائفياً غالباً ما تكون الأكثر قدرة على تحويل العفو إلى مكسب، فيما تبقى الفئات الأقل نفوذاً عالقة في النظام نفسه الذي أنتج الظلم أصلاً.
كذلك، فإن أزمة اكتظاظ السجون والتوقيف المطوّل لا تُحل دورياً بإفراغ السجون، بل بإصلاح أسباب امتلائها ونعني بطء القضاء، الإفراط في التوقيف الاحتياطي، عدم تناسب بعض العقوبات، غياب البدائل عن السجن، ورداءة ظروف الاحتجاز.
وعليه، تطالب المنصة النسوية رئيس الجمهورية باستخدام صلاحياته الدستورية وطلب إعادة النظر في قانون العفو العام، تمهيداً لإعادة صياغته وفق معايير واضحة وشفافة وحقوقية، تحمي حقوق الضحايا، وتمنع الإفلات من العقاب، وتعالج في الوقت نفسه المظالم الحقيقية للموقوفين والمحكومين.
ثالثاً: لا مساحة نسوية حرة من دون إعلام حر
تنظر المنصة النسوية إلى قانون الإعلام من زاوية تتجاوز القطاع الإعلامي وحده، فحرية الصحافة وحرية التعبير ليستا شأناً مهنياً خاصاً بالصحافيين والصحافيات. إنهما شرط أساسي لعمل المجتمع المدني والحركات الحقوقية والنسوية، وللقدرة على كشف العنف والتمييز والفساد والانتهاكات وإيصال أصوات النساء والفئات المهمشة إلى المجال العام.
وتسجل المنصة إيجابياً عدداً من الإصلاحات التي جاء بها القانون الجديد، ومن بينها تعزيز المسؤولية المدنية بدلاً من الجزائية في قضايا النشر، وحماية المصادر الصحافية، وتوسيع نطاق الحق في التعبير، وتسهيل إنشاء المؤسسات الإعلامية، وتكريس حرية العمل النقابي.
لكن هذه المكتسبات لا تلغي القلق الجدي من المادة 104 التي أبقت الباب مفتوحاً أمام التجريم والحبس بسبب ما يوصف بـ«المعلومات الكاذبة» أو «المضللة»، من دون ضمانات وتعريفات دقيقة بما يكفي لمنع الاستخدام التعسفي.
بالنسبة إلى حركة نسوية وحقوقية، لهذه المسألة بعد خاص.
فالصحافيات والناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان يواجهن أصلاً أشكالاً متزايدة من الترهيب والتشهير والعنف الرقمي والحملات المنظمة، وغالباً ما تأخذ الهجمات عليهن طابعاً جنسياً أو شخصياً يستهدف السمعة والعائلة والحياة الخاصة بهدف إسكاتهن.
وفي مثل هذه البيئة، لا يجوز أن تتحول مكافحة التضليل إلى أداة إضافية يمكن استخدامها ضد من يكشفن الانتهاكات أو ينتقدن أصحاب السلطة والنفوذ.
مواجهة الأخبار الكاذبة ضرورة ديمقراطية، لكن الحقيقة لا تُحمى بالسجن، ولا تُحمى بإعطاء السلطات نصوصاً فضفاضة لتحديد ما هو صحيح وما هو كاذب.
لذلك تدعو المنصة إلى تعديل المادة 104 بما ينسجم بصورة كاملة مع المعايير الدولية لحرية التعبير، وإلى ضمان أن يكون تطبيق قانون الإعلام محكوماً بمبدأ حماية حرية الصحافة والتعبير، لا توسيع إمكانات ملاحقة الصحافيين والصحافيات والناشطين والناشطات وحماية اصحاب النفوذ والمصالح.
العدالة التي نريدها
تكشف القوانين الثلاثة، رغم اختلافها، سؤالاً واحداً يتجاوز النصوص التشريعية نفسها وجوهر السؤال هو، هل يبني لبنان منظومة حقوق وعدالة متماسكة، أم يواصل معالجة أزماته بالقوانين المجتزأة والتسويات؟
بالنسبة إلى المنصة النسوية، لا يمكن فصل حقوق النساء عن بنية الدولة ومؤسساتها.
لا حماية للنساء من دون قضاء مستقل وفعّال.
لا عدالة للضحايا في ظل ثقافة الإفلات من العقاب.
لا إصلاح للسجون عبر العفو الدوري.
ولا حركة نسوية حرة في فضاء تُهدَّد فيه حرية الإعلام والتعبير.
نريد دولة لا تقتل باسم العدالة، ولا تعفو باسم السياسة، ولا تُسكت الأصوات باسم مكافحة الأخبار الكاذبة.
